الخميس، 4 أغسطس 2011

..

انظر للصورة يا بني، ركز بها.. ماذا ترى؟ أعلم بجوابك مسبقًا، ترى المسجد الحرام؛ لكني لا أريدك يا بني أن ترى ذات المبنى، شاهد ما بداخله، واشعر به! 
ترى عَالمًا أليس كذلك؟ قوي احساسك وخيالك، سترى قصصًا وعبرًا وأحوالاً لأناس شتى.. اسمع همهمة الدعاء، إنها قصة يا حسن، شكوى ترفع للسماء لا يعلم بها إلا الله.. 
سترى دولاً بأحداثها، سترى تاريخًا يروى. لا أحدثك يا بني عن روحانيته، تشعر بها جيدًا، كأنك تحلق في السماء! 
دع عنك الخيال، واهبط للأرض، أحدثك بقصتي مع صديقي، وإن رأيت دمعة، فلا تشمت بي يا بني، تظني الرجل والأب الذي ما يحق له أن يبكي.. الله يعلم يا صغيري كم أثر بحياتي ذلك الرجل!
ولن أزعجك بحديث صداقتنا العميقة، سأختصرها لك..  
وجدته يا بني مرة في المسجد الحرام في صباح أحد الأيام في شهر رمضان؛ وكان العرق يتصبب من جبينه وهو " يدف " كرسي متحرك يمكث عليه شيخ كبير في السن. 
استغربت عمله، فأشرت له بأني أريده، وجلست أنتظره ..
عاد بعدما انتهى، واستراح بجانبي، فسألته:
- حسن.. ما الذي تفعله هاهنا؟
- نتكسب ..
- كيف؟ 
- في الدور الأسفل من المسعى، أجرة العامل ١٥٠ ريال اضربها في ٣ مرات أدف بها، هذه غير المرات التي ربما أعمل فيها 
- ٤٥٠ ريال !
- اضربها في عشرين ..
- تسعة آلاف ريال!! عدد كبير والله تحصّله في عشرين يوم! ماذا تعمل بها؟
- أزرعها ..
- في وعيك أنت؟! كيف تثمر؟ كيف تزرعها أصلاً؟!
- غدًا بإذن الله، إن وجدت حصاد زرعي، فسأخبرك .. أدعك الآن، وداعًا.
 وذهب بعد استراحته، ليدف مرة أخرى.


أتصدق يا بني أني نسيت محادثاتنا الأخرى، ولقائي المتكرر به .. حتى ذلك اليوم؟! 
أُنسيت لقاءاتنا المختلفة، حتى قنعت بلقائنا الأخير - أقصد الذي لم أنساه -  قبل وفاته بشهر !
كنت مسافراً، في عصر اليوم الذي عدت به، وقبل أن أدخل؛ قالت لي والدتي: 
اذهب فصلّ وترحم على ابن جارنا حسن..
وصدمني الموقف، وذهبت مسرعاً للمسجد وفي بالي أن والدتي أخطأت الإسم، وجعلت أفكر بأبناء جيراننا، ما عداه! ما خطر في نفسي أنه سيكون هو حقاً.. حتى وصلت المسجد فإذا الجنازة قد ذهبت للمقبرة، فأسرعت إليها..
وجدتُ جارنا يبكي - وحق له - وبجانبه رجل عليه سيما الصلاح، يهدأه ويوصيه بالصبر؛ ثم وقف على القبر وقال: 
رحمه الله؛ ما كان يرى الدنيا إلا مزرعة للآخرة !
وقفت بجانبه أسأله، وفي نفسي تكذيب الوفاة وصدمة الخبر: 
- من أنت؟ ومن الميت ؟ 
- المتوفى حسن - رحمه الله -، أما أنا فقد كنت مشرفاً عليه في مشروعنا التطوعي، لمساعدة كبار السن في السعي مجاناً بالمسجد الحرام..


دعك من هذا يا بني، ما زلت صغيراً على الهموم والأحزان.. 
أتصدق بأني نسيت ملامحه؛ ما أذكر إلا وجهه المنير الذي رأيته في الحلم! 
" وأطرق هنية، رفع فيها رأسه وعينه ملأى بالدموع "  
.. جددت أوجاعي يا بني، ليتك لم تسأل عن سبب تسميتك.


كُتبت: 
٤/ رمضان/ ١٤٣٢ هـ الساعة: ١٠:١٠ صباحاً
ثالث رمضان، في الدور الثاني من المسعى، أردت أن أستأجر عربة لعاملة جدي فسألتهم فدلوني على شخص عليه مظهر الصلاح، شرح لي مشروعهم الخيري في تأجير الكرسي المتحرك ومن يدفه مجاناً، وقال بأن الشباب الذين يعملون أصلاً يرفضون المال 
ثم نادى شاباً ليقودها



أجريت في القصة خيالي وفيها قليل مما أظنه واقع

ليست هناك تعليقات: