بسم الله الرحمن الرحيم
في زمن ثلاثة وثلاثون وأربعمائة وألف من الهجرة، وُجدت صفحات رُجّح بأنها كانت أجزاء مقطوعة وصفحات مفقودة لأحد الكتب، والأوراق مطوية محفوظة في جيب من جلد، أثّر عليها الزمان فمحا من حروفها ما محا، وبيّض ما سوده الحبر، ومزّق أطرافها وأجزاء منها، كُتب في أولها بعد الحمد والثناء:
.. وفي سنة ستمائة وواحد وتسعين للهجرة، أشرقت دمشق بمولد شمس الدين محمد الزُّرعي، وكان له من اسمه النصيب الأكبر، إذْ كان علمًا من أعلام الدين، وقنديل من نوره، فأشير إليه بذلك وعُرف وأصبح أشهر من نار على علم.
قال الراوي: وكان مولده في بيت علم ودين، تربى على القرآن وعلومه حتى ملأ به قلبه فكانت كلمات الله هاديه ودليله، وتفقه بالدين وتعاليمه.
والده قيّم المدرسة الجوزية وناظرها وإليها ينسب، وأخيه عالمًا يُطلب على يديه العلم وابن أخيه، وهو ثم ابنيه - من بعد - من أعلام النبلاء، فكانت عائلة مشهورة بالنجابة والعلم وأنعم بها من عائلة وشهرة.
والده قيّم المدرسة الجوزية وناظرها وإليها ينسب، وأخيه عالمًا يُطلب على يديه العلم وابن أخيه، وهو ثم ابنيه - من بعد - من أعلام النبلاء، فكانت عائلة مشهورة بالنجابة والعلم وأنعم بها من عائلة وشهرة.
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه .. وتغرس إلا في منابتها النخل
ولد شمس الدين بعقل متوقد يشع ذكاء ودهاء، وقلب حافظ، فكان إذا ارتحل حمل مكتبته في صدره، وفيها بحر زاخر من شتى العلوم، محيطًا بأكثرها، ثم إذا وردته رسالة يسأل فيها مرسلها عن سؤال، أجاب عنه إجابة شاملة، سرد ما فيها من أحكام في المذاهب المختلفة ثم يرجّح ما كان موافقًا للسنة النبوية تابعًا لها. ورد له سؤال وهو على سفر - وفيه من المشاق ما لا تخفى على العارف - فأجاب عن حيرة السائل بكتاب كامل! يعرض الكتب وما علمه عن المسألة مما يحمله في صدره، فيكتب مجيبًا فيجيد ويحسن، ويكون جوابه شاملًا مقنعًا، موافقًا للدليل عارضًا للآراء المخالفة في المذاهب المختلفة، عادلًا بها منصفًا؛ ثم يفنّدها بالدليل والعقل فيهدمها، وإنما هي بناء يغّر به الناظر حتى يحسبه على أساس متين، فإذا ابن القيم يهدم الصّرح ويقيم على أثره بناء أُسس على التقوى.
وكان آية في القسط والعدل، ما كان يملي عليه هواه أو حرصه على الحق وتمسكه به في أن يظلم مخالفه ويسلبه حقوقه وينكر بعض الحق الذي فيه .. وإنما كان يعرضُ آراء المخالفين فما كان منها موافقًا لما دلّ عليه القرآن ووافقته السنّة أشاد به، وما كان غيره بيّن مساوءه ومثالبه.
- كان جزء من الورقة مقتطع لقدمه، وما بعده اكمالًا للحديث - :
.. وكانت دمشق إذ ذاك منارة للعلم، يقصدها طالبيه من كل الأمصار، ويقصدها العلماء استزادة علم وللتعليم، يعلم الله ما في أنفسهم إلا رجاء الأجر والثواب، فكان العالم منهم إذا كتب وأفاد، جعل قبل عرضه يدعو الله بتضرّع وخضوع إن كان ما كتبه خالصًا لوجهه الكريم، يبقيه وينفع به ولا يجعله كالزبد يذهب جفاء !
قال الراوي:
فكان حجّة الإسلام ونور البرهان يطلب العلم على حلقات العلماء، ويستزيد من هذا وذاك، ويدوّن ويكتب، وكان عصره رغم ازدهار العلم فيه ونبوغ علماء أجلاء عرفوا على مرّ التاريخ، فقد كان مضطربًا يموج في خضم المذاهب الدينية واختلافاتها، والمتعصبين لها يؤججون نار الجدل والخلاف، وكلّ متمسك برأيه، متعصب لشيخه ومذهبه، تاركًا أدلة القرآن، متجاهلًا حجة السنة عليه، و"تالله إنها فتنة عمّت فأعمَت، ورمت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير وهرم فيها الكبير واتخذ لأجلها القرآن مهجورا " !
وكان ابن القيم فيه الشيء منها، فلما لزم شيخ الإسلام يطلب على يديه العلم، ترك ذلك وراء ظهره، وقد اصطفاه شيخ الإسلام تلميذًا مقربا إليه بعدما رأى نجابته وذكاءه، وأخذ عنه الكثير من علومه وفتاويه وأصبح أخص الناس به، فلما نهل الشمس من معين شيخ الإسلام، وفتح له آفاقه وتوسعت مداركه، امتدحه بقصيدة عظيمة المعنى، حسنة اللفظ، قال في بعض أبياتها:
حبرٌ أتى من أرض حرّان فيا *** أهلا بمن قد جاء من حـران
أخَذّتْ يداه يدي وسار فلم يَرُم *** حتى أراني مَطْلَعَ الإيـمان
نبذ ابن القيم ما كان من منهجه القديم نبذًا شديدًا، فكسب بها العداوات، وقامت بينه وبين مخالفيه مناظرات، وفُتن لأجلها وسُجن ..
وكان ما ذكرنا من تعصّب الناس لأراء الرجال أكثر من طلبهم للحق في القرآن والسنة، جعلوا كلما أفتى ابن القيّم وصدع بالحقّ مستدلًا بآيات الله وسنة رسوله عليه السلام، قاموا عليه وعابوه، وغضبوا وذمّوا؛ فما التفت لذمّهم ولا خضع لغضبهم ورأيهم .. وسجن بسبب بعض فتاويه التي خالفت ما اعتاده الناس وكانت مشهورة بينهم؛ بعضها رجع عنها لما استبان له الحق وظهر، وبعضها لا زال متمسكًا بها إذا يرى غيرها اجتهادات تخطئ وتصيب.
وكان من آثار معاداة المخالفين له، جعلوا ينسبون إليه مؤلفات ابن الجوزي وكان للأخير رحمه الله كتاب " قد شحنه بفاسد التأويل فوقع في التعطيل فرارًا من قذر التشبيه " فنسبوه لابن القيم نكالًا به ونسبة إليه ظلمًا وزورًا منهجًا كان أبعد ما يكون عنه، إذ كانت خطاه على منهج وأثر السلف الصالح معروفة ومشهورة، ودفاعه عنه مكتوب.
وطلبه للعلم ونشره ومنهجه وأثره، كل ذلك معروف مشهور، ومنذا الذي تخلو مكتبته من أحد كتبه ؟ ولا أعلم أحدًا شغف بالعلم، واهتم بالدين والأدب لم يقرأ له.
انتهى الراوي من عرض جزء من سيرة الإمام العلّامة في طلبه للعلم ومنهجه، وقد ابيضّ بعض الأوراق المذكورة في ذلك، فيُكتفى بما قد أغنانا عنه، ما عرف به وكانت مؤلفاته دليلًا عليه..
أما في عبادته، فهي الشيء العجاب، وما هي بمستغربة منه وهو وهو من كتب في مؤلفاته عن محبة العبد لعبده ورجاءه به والتوكل عليه، وعبادته .. جاء بخير ما جاء به الأوائل وزادهم حسنًا في الأسلوب، وانتقاء للفظ وتجميل المعنى، وأعجز الأواخر من بعده، إن قرأوا قرأوا له، وإن أرادوا أن يكتبوا عادوا إلى معينه يستقون منه ويرتادون عليه.
قال الراوي نقلًا عن تلميذه ابن رجب: " وكان - يعني ابن القيم - رحمه الله ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية الوسطى، وتأله ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك. "
كان يذهب إلى مكّة فيجاور ويبكي ذنوبه ويطّوف بالبيت العتيق ما يُعجب منه الرائي، ويتعجب منه الغافل..
يلهج بالذكر حتى كان نفسه الذي يتنفس به، شهيقه وزفيره، شديد المحبة لله وبه، فكان أحب إليه من الكلام كلام الله، إن كتب استدلّ به وكانت مؤلفاته معاني ما أنعم الله به عليه من فهم للقرآن وتفسير له.
كان دواءه إذا مرض، وبلسمه إذا جُرح، وفرجه إذا ضاق.. حبس في القلعة لبعض فتاويه، فعكف على القرآن تدبرًا وتأملًا، ففتح الله عليه وكتب مؤلفات بعد خروجه كانت ثمرة عزلته.
كان متّبعًا للنبي عليه أفضل الصلاة والتسليم، عائبًا سقم أفهام من يعيبونه ويتركونه، يقدم النصّ على ضلال العقل، ونور الوحي على ظلمة المنطق .. وما فيهم عقل ولا منطق، وإنما اتباع هوى وضلال!
قال الراوي:
وكان أكثر من عُرف من أئمة ذلك العصر قد طلبوا العلم على يديه، فكان ابن حجر العسقلاني وابن كثير والسبكي والإمام الحافظ الذهبي، والفيروز آبادي وابن القيّم ابراهيم.
كان رجلًا من " رجالٍ ما ساروا مسيرًا ولا قالوا مقيلًا إلا كانوا مع الديانة حيث كانت منازلها، وساروا معها حيث كانت ركائبها يدلون من ضل إلى الهدى ويكشفون طرق الغي والردى "
فرحمة الله عليه.
التدوينة فيها من الأخطاء العظيمة ما أنوي أن أعود إليها لأصححها بإذنه تعالى .. سائلة الله أن يفتح علي ويلهمني
أجريت في القصة خيالي وفيها قليل مما أظنه واقع
التدوينة فيها من الأخطاء العظيمة ما أنوي أن أعود إليها لأصححها بإذنه تعالى .. سائلة الله أن يفتح علي ويلهمني
أجريت في القصة خيالي وفيها قليل مما أظنه واقع
هناك تعليقان (2):
أجدتِّ وأفتدتِّ
أسلوب متقن بطريقة العرض
إزدانت رونقاً وجمالاً عندما ابتدأتيها بتلك القصة الشيقة والمبتكرة ،فارتبط أول المقال بآخره إرتباطاً وثيقاً
كم هو رائع حرفك ياسمية..
فتح الله عليك وألهمكِ فعل الصواب
أجدتِّ وأفتدتِّ
أسلوب متقن بطريقة العرض
إزدانت رونقاً وجمالاً عندما ابتدأتيها بتلك القصة الشيقة والمبتكرة ،فارتبط أول المقال بآخره إرتباطاً وثيقاً
كم هو رائع حرفك ياسمية..
فتح الله عليك وألهمكِ فعل الصواب
إرسال تعليق