الخميس، 16 فبراير 2012

كاتب النفس الإنسانية

 
بسم الله الرحمن الرحيم
جلس الأب وابنه إلى كرسي في أحدِ المقاهي يتحدثان عن أعباء الحياة ويتناقشون أحداثها، وفي احدى زواياه المهترئة علقت صورة كبيرة ..
- من هذا يا أبي ؟
- كاتب النفس الإنسانية مصطفى المنفلوطي.
- من أي الديار هو ؟
- عجيب أن تسأل يا بني ونظرة واحدة إليه وهو واقف بعمامته البيضاء وقميصه الرمادي وشاربه الطويل، لا تجعلك تشك لحظة واحدة في أنه مصري من الوجه القبلي منها! ونظرة أخرى إليه تتأمله بها، وتحاول بها الولوج لما في نفسه، فتحسّ بحرارة مشاعره الحارقة رغم هدوءه الظاهر، وستشعر بضيق صدره وآهات قلبه، وتعلم - يقينًا - بأنه أديب ما من شك، لأن سيماهم في وجوههم و”الوجوه مرايا النفوس، تضيء بضيائها وتظلم بظلامها “.
- ولد في الصعيد ؟
- في منفلوط، وكان لنسبه الشريف ونشأته في بيت حريص على تعليمه لا ريب أثرٌ عليه، إذ أرسل للأزهر منارة العلم والأدب يتلقى هناك ما يملأ به نفسه فيهديها لطريق الحق في عالم الباطل، ويكون له السراج المنير في ظلمات الجهل.
- ودرس هناك يا أبي؟
- تلقى فيه علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، والأدب وعلوم اللغة العربية، وزاد على دروسه تلك مطالعته في الشعر العصر العباسي والأندلسي ونثرها. وكانت نفسه نزاعة للأدب ومحبةً للعلم، غير أنه كان يضجر من تزمت بعض علماء الأزهر الذين كانوا لا يرون رأيه في الأدب و "يراقبونه فإذا عثروا في حقيبته أو تحت وسادته أو بين لفائف ثوبه على ديوان شعر أو كتاب أدب نقموا عليه "
- شدّوا عليه وما كان لهم!
- .. إذا قرأته روايًا تجربته المريرة تلك، قرأت شجون الأسى وانفعالات التأثر، وحزنًا على مصير العلم ورثاء للأدب، قال: "لولا الأدب ما استطاع أئمتهم المجتهدون فهم آيات الكتاب المنزل ولا استنباط تلك الأحكام التي دونوها لهم، ولولاه لما استطاع علماؤهم اللغويون أن يورثوهم هذه العلوم"
وواجب علي - حتى تفهم منهجه إذا قرأت كتبه - بأن أخبرك بثورته عليهم، وتنديده بمنهجهم وبالجمود الديني التقليدي الذي يبعد الناس عن طريق الحق، ولا تظنه يا بني ثائرًا على الدين نفسه وحاشاه من فعل هذا،  فما عرف عنه إلا محافظ دينيّ متأدبًا بالعلم، زاهد عفيف اللسان، وداعيًا إلى محاسن الأخلاق.
- زدني قربًا به.
- نعم .. كان رقيق الحس رهيفها، يقرأ منذ مطلع صباه شعر المتيمين والعاشقين، وقصص المنكوبين والمساكين، فكانت - من بعد - مداده إذا كتب، ودموعه إذا بكى.
 وشجون البائسين وآهات المظلومين هي زاد الكاتب ومقصد القارئ، وهي معين الجمال الذي لا ينضب، والحسن الذي لا يفنى ..
أرأيت إن علمت بـ" أن جمال العالم كله في الشعر، وأن الشعر هو ما تفجر من صدوع الأفئدة فجرى من عيون الباكين وصعد من صدورهم مع زفراتهم " فكيف تصبر عن قراءته وتأمله؟
- وتأثر بها ؟
- بلا شكّ، ووظيفته الحكومية جعلته يرى عن قرب حجم الفساد وظلم الظالمين ومآسي الناس وأحزانهم، فبكى على مظلومية المظلومين، وآثار المفسدين في مقالاته للإصلاح الاجتماعي.
- هيه ..
- وكان رب أسرة حريصًا عليها محبًا لها، وما تظنه إذا عرفت رقّة طبعه إلا عاشقًا لها، لكن حدث من دورة الزمان وحمل الأيام ما أظلم الدنيا في عينه ونبذها نبذًا شديدًا في قلبه، وحبب إليه الحزن حتى كان هواءه الذي يتنفس به، وطعامه الذي يتقوى - مجازًا - به..
- وما حدث ؟
- خرجت روح من روحه، فكانت تمشي في الأرض على مرأى منه، فلما قُبضت انقبض قلبه ودمعت عينه فكانت الدموع شراب نفسه .. وإن كان يا بني ابنًا واحدًا لهي مصيبة عظيمة، فكيف إذا كانوا أربعة؟! فكان لخبر وفاتهم وقعٌ شديد عليه، ومصيبة عظيمة حلّت به.
وأصبح لهذا سخيًا بالبكاء، تدمع عينه حتى إذا توقف استعبارها وما توقف نحيب قلبه، طلب الدموع في مآقي المساكين، وبكى بعيون العاشقين، وكان يرثي بمصيبته مآسي العالمين.
- يبكي نفسه ؟
- يبكي العالم كله! يبكي نحر السلام على يد الحروب، وجمود العلم وانحطاط الأدب .. يبكي الأخلاق الحسنى التي اندثرت، وعلى الحب الذي غُيب وزيف!
" لا خير في قلب يعيش بلا حب " ولا خير إذن في الناس اليوم !!
- زدني قرباً به!
- نفس عظيمة مثل نفس المنفلوطي يا بني لا يكفيها الإشارة إليها، لأنها بحر كبير لا يسعنا الإبحار والإحاطة به كلّه, ولكن أقول لك ما كتبه بلسان إحدى الشخصيات في احدى رواياته، فكأنه كان يعني بها نفسها واختصرها بجملته:
" إنني شقيٌ مذ ولدت .. فأنا أحب الأشقياء وأعطف عليهم؛ لأنني واحدٌ منهم، ولا صداقة في الدنيا أمتن ولا أوثق من صداقة الفقر والفاقة، ولا رابطة تجمع بين القلبين المختلفين مثل رابطة البؤس والشقاء “
.. ذاق من تصاريف الزمان ما أمَلّه وأشقاه، " ذاق الذل حينًا والجوع أيامًا والحزن أعوامًا " فما أمَلَ بشيء منها، حتى إذا مر عليه أربعين سنة كتب مقالة يودع فيها الشباب الذي ما أسعده ولا تمتع به، ويبدي استعداده للموت، شاعرًا بقربه وأنه يوشك النزول به:
" وداعًا يا عهد الشباب، فقد ودعت بوداعك الحياة، وما الحياة إلا تلك الخفقات التي يخفقها القلب في مطلع العمر، فإذا هدأت فقد هدأ كل شيء وانقضى كل شيء
أيا عهد الشباب وكنت تندى **
على أفياء سرحتك السلام "

.. سلام عليه منذ ولد، وحين مرض فلم يستدعي طبيب ولا شكى مرضه لصديق، سلام عليه حين أدار وجهه للحائط يتأوه ويأن من وجعه حتى أشرقت شمس العيد، وبشروقها سكن جسده وغادرت روحه الحياة!
سلامٌ على جثمانه الذي ما مشى في جنازتها غير ستة! .. وسلام عليه حين يبعث حيًا.



أجريت في القصة خيالي وفيها قليل مما أظنه واقع

هناك تعليق واحد:

أبرار يقول...

أثناء القراءة .من بين ثنايا المقال ،ينبثُ من بين تلك الكلمات أسلوب رصين واستصاغة الأحداث بطريقة مُشوّقه لاتُمل ،واستنباط للمفردات والمصطلحات في غاية الحسن والجمال .إضافةً إلى أن التعريف بالكاتب وافي وشامل من جميع النواحي ،العنوان يحمل طابعاً مميزاً
ـــــــــ
فواعجباه مما قلتِ !! وما أجمل ماصُغتِ
حان الآوان لكي أقول بأنكي تملكين ملكة أدبية رائعة ، ومن سماتها:اتصافها بالوضوح ،والإلمام بالموضوع
ــــــــــــ
سدّد الله خُطاك ،وحقّق لكِ مساعيك ،ورزقك همّة تُناطح السحاب ..